ناصر عدنان "صحفي سوري"

جوهر الأسئلة الأخلاقية.... التحقيق بفضيحة "بيرني مادوف"

ناصر عدنان ركن الرأي 22 مارس،2018

حجم الخط:

لوهلةٍ من الوقت، توقفَ الوجودُ عندي، لأسبابٍ سأذكرها تباعاً. كررتُ المشهدَ وتلاعبتُ بسرعتهِ لأتمكنَ من تدوينِ ما رأيتْ، وهي لقطةٌ أخرى خالدة في السينما، تُظهرُ الإبداعَ عندما يُترجمُ المخرجُ اللمَّاح، النص البارع، إلى لقطةٍ باهرة وحكمة قيّمة.

في فيلم (The wizard of lies سيد الأكاذيب)، إنتظرت ديانا هنكريز الصحفية في قسم التحقيقات الإستقصائية بصحيفة نيويورك تايمز، إنتظرت عامين كاملين حتى قَبِل السجين بيرني مادوف الإدلاء لها بتصريحات شخصية، على خلفية تورطه بإحدى أكبر الفضائح المالية في أميركا والتي حملت اسمه لاحقاً، فضيحة بيرني مادوف.

هيأت إدارة السجن لهما غرفة عادية، جلسا يناصبانِ بعضهما النظرات المشدودة، بقي صامداً محافظاً على بأسهِ وصلابته، إلى أن قطعت هيَ الصمت المُطبق باستهلالية ستفتحُ فيما بعد، الباب الواسع للأجوبة المهمة للرأي العام الأميركي وقتها.

- بيرني، ماذا عن أخيك "بيتر"، إنه في ورطة حالياً؟
يجيبُ بصلابة بالغة، نعم هذا صحيح..
- لقد فعلَ ما قلتهُ لهُ ليحملَ معكَ هذه المسؤولية الجنائية، كيف تبرر ذلك بيرني؟ كيف تستطيع النوم؟!

كيف تستطيع النوم؟! اختارت سؤالاً أخلاقياً لتحرجهُ وتجعلهُ يتألم قليلاً كما تألم آخرون بسببه. أسند رأسه على الكرسي سارحاً في التفكير، وكأنها وجَّهت له صفعة لم يعهدها.

استدرجتهُ بهدوء وذكاء شديدين إلى أجوبة لم يكن ليعترفَ بها في التحقيق بهذه السلاسة، سألت أسئلة آلاف الناس الذين تضرروا وأصيبوا بنوباتٍ قلبية إثر خسائرهم المالية الكبيرة في مؤسسته، حتى اعترفَ أخيراً بالندم، الندم والخجل على ما تسببَ به لعائلته ولضحايا احتياله الماليّ.

عادت إلى نيويورك تايمز فرحةً بما غنمت من معلومات، لكنها بالنسبة لي، أعادت للكلمات معانيها وسط الجلافة الإنسانية المحيطة بالموت السوري القاسي، كيف تنام؟ بماذا تشعر؟ ألا تخجل؟ هل تألمت؟..

لم تكن وقحةً فجة في توجيه الانتقادات، ولم تكن متعاليةً عندما اعترف، ولم تكن عمرو أديب أمام الكاميرا، عندما أرادَ التعاطف الأخلاقي مع ضحايا الغوطة الشرقية، قال للمصريين "خلّّوا بالكو بص عالجيش العربي السوري بيعمل إيه في الغوطة وخليكوا مع جيشكو اللي بيحارب الإرهاب المنيّل.