حرب وحصار وتجار.. و أمل سينمو!!

تقارير 17 يونيو،2017

حجم الخط:

ستة أعوام مضت من عمر الصراع الدائر في سوريا عانى خلاله الكثير من المدنيين من موالاة ومعارضين وحياديين  ويلات هذه الحرب التي أتت على كل شيء في البلاد، وما بين هذا وذاك تباعدت المسافات الطبقية بين المجتمع السوري بحيث غابت الطبقة المتوسطة ونحدر معظمها مع طبقة الفقراء، فيما أسعف الحظ بعض العائلات التي كانت تعدّ من الطبقة الرأسمالية بالنهوض نحو طبقة الأثرياء.

مؤثرات عديدة لعبت دوراً مهماً في تباعد الطبقات المجتمعية في المناطق الثائرة على نظام الحكم التي فرض عليها حصار مطبق من قبل قوات الأسد من جهة، و المناطق التي نأت بنفسها وقررت الخضوع لسيطرت الأخير، لتعتبر من مناطق الموالاة من جهة أخرى.

أبواب الرزق تفتح أمام تجار الحروب

لعل أهم تلك المؤثرات كانت تتمثل بتأمين المواد اللازمة للمناطق المحاصرة من خلال الإتفاقيات التي تمّ إبرامها مع قوات الأسد التي تتمثل برؤساء الأفرع الأمنية، والتي قضت على مدار الأعوام السابقة بفتح المعابر، و غضّ الطرف عن طرق الإمداد الغذائي والخدمي، التي تقع تحت سيطرتهم والسماح بمرورها الى المناطق المحاصة من خلال دفع مبالغ مالية من قبل التجار، الذين يضاعفونها بدورهم على المدنيين المحاصرين، الذين لا يملكون بالتالي من أمرهم شيئاٌ، وهم مضطرون لشراء السلع والبضائع مهما بلغ ثمنها، كونها تعتبر من المواد ذات الإستهلاك اليومي.

ممارسات لا مشروعة بحق بعض الطوائف ميسورة الحال في اللاذقية

من جهة أخرى انتشرت في مناطق سطرت الأسد ظاهرة التستر على المطلوبين لخدمة الجيش مقابل دفع مبالغ مالية ضخمة، وفّرت بدورها الأموال الطائلة لأشخاص مقربين من الأفرع الأمنية، والذين يتمتعون بحصانة ضدّ المسائلة من قبل أجهزة أمن الدولة وضباطها.

إعادة ظاهرة الرجل البخاخ في بداية العام الجاري في مدينة الاذقية
مدرّسة لغة عربية

في حي العوينية في مدينة اللاذقية تحدثت المدرسة " هـ ، ر" التي فضلت ذكر أولى أحرف أسمها للوكالة السورية للأنباء لدواعي أمنية، عن قيام ما يعرف بالشبيحة وميليشيا الدفاع المدني بإعادة ظاهرة الرجل البخاخ في بداية العام الجاري، حين استفاق أهالي الحي "ذو الغالبية المسيحية" ليجدوا كتابات ملأت الجدران تطالب برحيل الأسد وتسقطه من خلال الشعارات الأولى للثورة، لم تخفي " هـ " تخوف الأهالي آنذاك مشيرة الى انتشار حالة من الرعب في أوساطهم،  و أضافة :

حضرت قوات الأمن و ميليشيات الدفاع الوطني منذ ساعات الصباح الأولى و ضربت طوقاً أمنياً منعت خلاله أبناء الحي من المغادرة، لتبدأ على إثره حملة دهم واعتقال للشباب والرجال المتواجدون في المنازل، وتم اقتيادهم للمدينة الرياضية التي حوّلت لمعتقل زجت بداخله من تم إخراجه من الحي، وباعتبار أهالي "حي العوينية" معروفين بغناهم المادي تبيّن بعد ساعات قليلة الهدف من تلك الخطوة المفضوحة أصلاً، عندما أتي الملازم "أمجد حيدر" المعروف لأهالي المدينة وطلب من وجهاء الحي زيارة العقيد " أشرف الخضر" لتسوية أوضاع المعتقلين قبل سوقهم الى جبهات القتال.

وبالفعل تم الإتفاق مع "الخضر" ليتم إطلاق سراح من دفع الفدية "بحسب تعبيرها": كي لا يزج به على جبهات القتال، ومن رفض منهم تم نقله الى معسكر التدريب في ريف اللاذقية الشمالي واعتبر في خدمة الاحتياط حتى اشعار أخر.

فتح المعابر في الغوطة وريف حمص ..للتخفيف عن الناس أم لبناء ثروات؟

تبلغ واردات المعبر بشكل يومي 15 مليون ليرة في غضون 6 ساعات

في ريف حمص الشمالي لم يختلف المشهد كثيراً عن ما يحدث في مناطق سيطرت الأسد وإن أخلف الشكل قليلاً لكن المضمون يصب في ذات المصلحة المتبادلة ما بين الضباط ضمن الأفرع الأمنية من جهة والتجار الموردين للبضائع من جهة أخرى ، فبعد استحداث معبر الدار الكبيرة الذي اعتبر المغذي الوحيد لمدن وبلدات الريف "المحرر" تم الإتفاق على دفع أتاوة لكل سيارة شاحنة تعبر الى الريف قيمتها مليون ونصف ليرة سورية، مع العلم أن العدد الكلي المسموح بعبوره يومياً هو 10 شاحناة فقط، أي تبلغ واردات المعبر بشكل يومي 15 مليون ليرة في غضون 6 ساعات وهي الفترة التي يسمح خلالها للشاحنات بالعبور.

وهنا يأتي دور أولئك التجار برفع قيمة الأسعار للمدنيين الذين لا يجدون سبيلاً للهروب من هذا الواقع المخزي بحسب ما يصفه الأهالي والهروب نحو معيشة أفضل، لنجد أن نسبة ضئيلة من التجار باتت تتحكم بمصير نحو 350 ألف مدني محاصر، ويبنون على إثرها ثروات مالية ضخمة تترعرع على كاهل اولئك المدنيين الذين تبلغ نسبة العاطلين عن العمل منهم أكثر من 90%، بحسب الإحصاء الأخير لمجلس إدارة الأحياء في ريف حمص.

الغوطة..

ذات المشد نراه جلياً في غوطة دمشق بعد أن توصل تجار المنطقة الى اتفاق يقضي بفتح معبر الوافدين لإدخال البضائع الى المنطقة، وبحسب الناشطة "سيدرا محمد" من غوطة دمشق فإن المنفوش هو أحد أكبر التجار الذي يسمح له بإدخال البضائع وتوزيعها على أصحاب المحلات التجارية، وذلك بعد أن رفع الأتاوة مع قوات الأسد لتصل الى 35 ليرة سورية مقابل كل كيلوغرام من وزن البضائع المراد إدخالها.

من بقي تحت رحمة الأسد لا تقل معاناته عمن ثاروا عليه

من الجانب الأخر لا نجد من قرر البقاء تحت سيطرت الأسد في مناطقة الامنة قد نجى من انتهاكات ضباطه وعناصر ميليشياته التي تطلق يدها على رقاب المدنيين منهم، ففي حلب وحمص ودمشق تنتشر ظاهرة الإختطاف والمطالبة بالفدية في أغلب الأحيان، والتي باتت باب واسعاً للرزق ما بين عصابات الخطف والجهات الأمنية الداعمة لها.

حي الزهراء احد أهم المنابع البشرية لقوات الأسد شهد خلال شهر /مايو/ أيار الماضي ثلاث حالات قتل و أربعة حالات اغتصاب و نحو خمسة حالات اختطاف بحسب ما أورد موقع "أخبار حمص المؤيدة" وتبين أن معظمها تسببت به لجان شعبية مدعومة من قبل عناصر حزب الله الذي يقاتل الى جانب قوات الأسد في المنطقة.

تزويد أفراد العصابة بالحبوب المخدرة "كبتاغون" ومادة الحشيش عن طريق لبنان

فيما اعلنت شعبة مكافحة المخدرات في دمشق عن اعتقال عدّة مجموعات لترويج المخدرات التي باتت تنتشر بكثرة في الأونة الاخيرة، لا سيما بين طلاب الجامعات و رواد القهاوي الشعبية، وكان أخرها عصابة مؤلفة من ستة أشخاص من ضمنهم "علي القاسم" لبناني الجنسية، اتضح أنه يقوم بتزويد أفراد العصابة بالحبوب المخدرة "كبتاغون" ومادة الحشيش عن طريق لبنان.

الأحداث السورية أتت على كل ما هو جميل في سوريا، إلا أن لسان حال الأهالي يتمثل ببذرة الأمل التي ما تزال باقية في أنفس الأهالي، و على ما تبقى من زجاج النوافذ المحطم، وعلى الرغم من الحقد الكبير الذي غطاها بفعل الحرب بين جميع الأطراف إلا أنها ستنمو، وستعود سوريا الى ما كانت عليه من محبة وعيش كريم متسامح بين جميع الأديان، أما محبّي المناصب وتجار الدم والحروب فلن يكون لهم مكان في مستقبلنا الذي حاول الجميع تدنيسه قبل أن يولد.