سوتشي من منظار اخر

سنا ركن الرأي 29 يناير،2018

حجم الخط:

بقلم : حسن أبو زيد

ساحاول في هذه الاسطر القليلة تلخيص أهم الافكار لتعطي للصورة بعدا آخر خارج إطار الصورة الذهنية النمطية المقولبة الزاخرة بالتخوين المرفوض وكيل الاتهامات والسباب جزافا:

1-بداية: تدويل القضية السورية أخرجها عن سيطرة السوريين وملك أزمَّتها لجهات خارجية لها مصالحها الخاصة

أكثر ما دفع عجلة التدويل سراعا : العسكرة والأدلجة
عضو حركة التجديد الوطني "حسن أبو زيد"

2- أكثر ما دفع عجلة التدويل سراعا : العسكرة ، والأدلجة ، وهذه من المقاتل التي ابتُلينا بها في الثورة

3- مع تدويل القضية صارت سورية ساحة صراعات يتم فيها تصفية حسابات الدول على ارضنا والخاسر الوحيد الذي يدفع الفاتورة منفردا هو شعبنا المسكين

 4- ما يسمى ب "اصدقاء الشعب السوري" هو محض وهم ، ففي عالم السياسة لا وجود للصداقات والاصدقاء.. هي مصالح تتحكم فقط ، لذلك أميل لمصطلح "الحليف" بدل "الصديق"

5- لا شك ان اكثر حليف استراتيجي لقضيتنا هي الدولة التركية ، فمساحة المشترك المتقاطع بين مصالحنا ومصالحهم كبير نسبيا ، وأظنه أكبر مشترك بيننا وبين اي دولة أخرى ، كذلك فساستها معروفون بانتهاجهم لنهج أخلاقي يتيح لهم هامشا واسعا من التحرك في الساحة الإنسانية لنصرة القضايا العادلة 

6- ولا شك ان مصالحهم لما تتعارض مع مصالحنا سيسعون لتحقيق مصالحهم غير آبهين لمصالحنا (خصوصا في المستوى الاستراتيجي كالأمن القومي مثلا)

7- باقي الحلفاء هم حلفاء على الورق الآن ، واقصد بهم بالذات الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية ومن يدور في فلكهم من الدول العربية المعروفة 

8- هؤلاء -بالنسبة لنا- يعانون من سلبية سياسية كبيرة إزاء قضيتنا ، "هذا اذا اردنا ان نحسن الظن" 
-ورقة اللاورقة يوم الثلاثاء الماضي نموذجا طازجا-

9- في المقابل فحليف النظام الروسي ثم الايراني يقدمون كل اشكال الدعم اللامحدود سياسيا وعسكريا ولوجستيا 

10- باختصار صار حالنا كرجل ضعيف هزيل اعزل تم وضعه في قفص مع مجرم مسلح ثم قالوا له تعارك معه ونحن نشجعك!

تركيا وجدت توريطا ثم تخليا ثم عداء واستهدافا لأمنها القومي من قبل الحليف الغربي
عضو حركة التجديد الوطني "حسن أبو زيد"

11- التنافس الروسي التركي قديم جديد ، ولكن تركيا وجدت توريطا ثم تخليا ثم عداء واستهدافا لأمنها القومي من قبل الحليف الغربي في عدة مواضع مما اضطرها لاعادة التفكير بعلاقتها مع الروس

12- اقدمت تركيا على اعادة التموضع في خارطة الصراع وبدأت بذلك طورا جديدا بعلاقاتها مع روسيا

13- يوجد الان في منظور الاتراك نقطتان مهمتان جدا متعلقتان بالمسار السياسي في مقاربة الحل للازمة السورية
 أ- قضية الدستور "المبادئ الدستورية التي سيحكم البلد على أساسها " = شبح التقسيم وولادة كيان كردي على حدودها الجنوبية
ب- قضية انتقال السلطة (هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات وفق مرجعية جنيف1 والقرارات الأممية 2218 ، 2254 )

14- النقطة الأولى منها لا يمكن تحصيلها إلا بالتنسيق مع الروس إذ هم يتفقون برفض التقسيم على خلاف مسار جنيف الأممي المدعوم أمريكيا والذي يلوح ويلمح لإرهاصات تقسيم في المستقبل (أسئلة ديمستورا) ، طبعا هنا الروس يدركون مبتغى الاتراك فلن يعطوهم اياه كاملا بسهولة بل سيجري عليه تفاوض وطلبات تنازل

15- وبعد ضمان النقطة الأولى لا مشكلة للاتراك بالعودة لمسار جنيف الأممي لتحقيق النقطة الثانية "انتقال السلطة"

16- سوتشي سيعقد برعاية روسية تركية ايرانية ، ولا اظنه مؤتمر الحل النهائي والجذري ، بل أرجح أن يكون كغيره (محطة على طريق قطار الأزمة الطويل) 
-لكنه لو كان فيه الحل الجذري فلا ينبغي للمعارضة الغياب عنه مطلقا!-

17- من المفترض أن يخرج المؤتمر ببيان من عدة نقاط ربما كان اهمها لجنة وضع الدستور ، وهذه اللجنة سيتم تشكيلها مناصفة بين النظام والمعارضة حيث سيقترح الروس الممثلين من النظام ويقترح الاتراك الممثلين من الثورة

الاتراك لن يرشحوا اعضاء هيئة التفاوض بالكامل
عضو حركة التجديد الوطني "حسن أبو زيد"

18- الاشكالية هنا ان الاتراك لن يرشحوا اعضاء هيئة التفاوض بالكامل (اللذين اعلنوا البارحة اعتذارهم عن حضور سوتشي) وذلك لانهم بنظر الاتراك مدعومون غربيا حيث تمت هيكلتهم في الرياض!
من هنا اظن ان هيئة التفاوض اعتذرت عن حضور المؤتمر لأنها لم تأخذ من الاتراك ضمانة بأن يكون أعضاؤها هم ممثلوا المعارضة في اللجنة الدستورية المزمع تشكيلها ، حيث عرض الأتراك على الهيئة ان يعطوها ستة اسماء ثم تم رفع العدد لعشرة.. مع استمرار الاعتذار من الهيئة لهذه اللحظة

19- تم دعم موقف هيئة التفاوض من الولايات المتحدة وفرنسا ، لكنه للاسف دعم سياسي خالي المضمون منزوع الصلاحية العسكرية ! 
فالروس عند امتناع الهيئة عن الذهاب لمؤتمرهم لا شك سيصعدون عسكريا على الارض كما فعلوا سابقا في كل مرة ننسحب فيها من المفاوضات.. وهذا يعني مزيدا من المعاناة لشعبنا أرواحا بريئة تُزهَق وبلادا آمنة تُدَمَّر ، بينما من يفترض انهم حلفاؤنا لا يقدمون اكثر من دفعنا للصمود وعدم الرضوخ للمشروع الروسي!

20- الامريكان عرضوا على الروس مؤخرا العودة لمسار جنيف ، بورقة سوتشي ! والمرجح أن يوافق الروس على ذلك 

21- ربما كان من أهم ما يميز مسار سوتشي عن مسار جنيف هو وجود ظهير دولي قوي يساند مطالب الثورة في سوتشي "الأتراك" كما كانوا في أستنة حيث كان عبء حرب المفاوضات ملقى على كاهلهم بشكل واضح، ولولا مراهقاتنا الثورية ووقوف البعض في وجه دخول الاتراك -وأسباب اخرى- لكانت مخرجات استنة افضل بكثير ... هذا الظهير نفتقده في جنيف مع كل أسف حيث ان تركيا مستهدَفة أمريكياً قبل أن تكون ذات وزن كبير ويد طولى في الحل

21- ان لم يوافق الروس على نقل ورقة سوتشي (او مخرجاتها بعد انعقاده) الى جنيف ، فقد يلجأ الامريكان للعودة للتنسيق مع الاتراك للعب معهم ، وقد تقبل تركيا ذلك ان اخذت ضماناتها بخصوص قضية التقسيم او مقدماته (الفدرالية او اللامركزية الادارية ) 

22- لا شك أن أغلب القراءات والسيناريوهات المتوقعة هي ذات مدة صلاحية قصيرة جدا ، فخرائط القوى والتحالفات والتوازنات الناتجة عنها متبدلة بشكل شبه يومي وهي ذات حركة سريعة جدا ، وتقدير الموقف متقلب معها بذات التواتر 

23- أظن أن على واجهاتنا السياسية أن تحاول توحيد الرؤية ما استطاعت الى ذلك سبيلا ، وان تحاول التخفف شيئا فشيئا من عبء وصاية الداعم ، ومن ثم ستقترب من قراءة الواقع قراءة أقرب ما تكون للدقة التي سيتم تقدير الموقف واتخاذ القرار على اساسها ، وان تكون ايجابية السلوك بناءة الفعل والمشروع في كل استحقاق وطني وسياسي اذ لا مكان للمراهقات أو التصرفات الصبيانية "الحرد والزعل" في عالم السياسة فمن بضع سنين تم تخوين وشتم من ذهب لجنيف2 ، واليوم لا أظن أحدا من أبناء هذا الوطن الجريح الا ويرجو لو كان الحل في تلك الجولة التفاوضية التي خونها منا الكثير! وعلى نخبنا ايضا أن تتخفف من راديكالية العقل الثوري باتجاه مرونة وليونة العقل السياسي ، فالأول صلب متشنج لا يقبل بأنصاف الحلول ولا ثلاثة أرباعها ولا يرتاح الا بنسف الواقع من جذوره أو قلب الطاولة على أصحابها ، والثاني هادئ عقلاني منصف متزن يقارب الإشكاليات بأدوات علمية في سبيل حلها وتحكمه الواقعية السياسية بعيدا عن المهاترات والمزاودات والعنتريات..
كما أظن أن على نخبنا أن تسير أمام جمهورها لتقوده لبر الأمان ، لا أن تنساق خلفه ملبية ما يطلبه هذا الجمهور من معقول ولا معقول !
وهنا أنا لا ألوم الناس مطلقا فهم مذاهب ومشارب وتيارات ، وقد نزل بساحتهم من البلاء واللأواء ، والضر والشقاء ما يجعلنا نتفهم كل ما يصدر عنهم ، لكن غير المفهوم ولا المقبول ولا المعقول أن تسير النخب خلف خطاهم فتفقد الامانة العظيمة الملقاة على كاهلها!

24- قد تكون المشاركة في سوتشي ايجابية ، وقد تكون سلبية ، لكن جودة تفاعلنا وعقلانيّ تعاطينا وحسن تأتّينا مع الحدث هو ما يمنحه سمة الايجابية او صفة السلبية ، أكثر من الحدث نفسه!
وهنا لا أدافع عن موقف الذاهبين لسوتشي فمنهم صادقون مخلصون مؤتمنون محترفون ، كما فيهم متسلقون منتفعون  (وهذا موجود في كل الأجسام السياسة من ائتلاف لهيئة تفاوض لهيئة تنسيق.. وصولا للتشكيلات العسكرية والفعاليات المدنية ولكامل التصنيفات الثورية)
كما أني لا اتهم الرافضين فمنهم مجتهد ومنهم متخوف مقتصد، ومنهم من يخشى ضغط الشارع كما فيهم -بكل تاكيد- متربص ومصلحي طامع.. الخ
لكني أحاول بهذه السطور أن اخفف من غلواء التشدد إزاء اجتهاد له وزنه وتقديره واعتباره ، وأرجو أن أخطو مع أصدقائي القارئين خطوة نحو الوسطية والإنصاف ، فالإنصاف عزيز ، ولكنه مطلوب.