هارب من سراييفو.. إليها "طفولة جهنم"

ناصر عدنان ركن الرأي 23 يناير،2018

حجم الخط:

ناصر عدنان - صحفي

قلنا نهربُ من يومياتِ الموتِ السوريّ المروع، والعمل به، وقولبته وتقديمه للناس. كان محمد الدغيم زميلي في العمل، شريك غربتي ومنفى فرحي وحزني وحديثي وغضبي وأسراري، كان صديق الرحلة المنتظرة منذ عامين كاملين.

حملنا أمتعتنا ومضينا إلى حيث كان لنا الموعد الثاني مع البؤس السوري بأبهى صوره، استقبلتنا اسطنبول التي لا تنم عقب منتصف الليل بساعتين، أمعنت في إبهارِنا منذ لحظات الضياع الأول بين أحيائها الأثرية في منطقة السلطان أحمد، حتى وصولنا للفندق الذي أعادني بتصميمه المعماري القديم إلى حي الطوافرة في حماة القديمة، فتبرعت أحجارهُ بفيضٍ وفيرٍ من الحنين، لأنور وماهر وموفق وكرم.

ثمة مرضى بالأماكن، يبحثون عن شوارع تعيدهم إلى أيامٍ خَلَتْ، عن حواري غادروها ولم تغادرهم، عن أرصفةِ بيوتٍ تخالها متاحف وقصور، وعند أعتابها يتجمعُ العُشاق في توالي الليل بحثاً عمّا يؤي الشهية.

أدهشتني العتمة، سحرني وقار الحارات العثمانية في صمت الليل ورهبته، قَلَّبتُ بين النجوم المترائية من النافذة، بحثتُ بينها عن موطئ قدمٍ لطفلةٍ سورية باعتنا علبة محارم في ساحة تقسيم.

"عمو مشان الله اشتري مني هالعلبة"، طالعتنا الطفلة زين بمفاجأة من العيار المحبب، بأنها اللسان العربي الأول الذي قابلناه في بلاد عزيز نيسن ويشار كمال وناظم حكمت.

فتحتْ زين باب جهنم علينا واستراحت على حافة الرصيف، ترصدُ ذهولنا بحذر، تراقبُ صدمتنا بفضول، تعاينُ صمتنا بغرابة، وكأن الساحة المكدسة بالعابرين وقفت برهةً من الفجيعة، وقفنا..

رمينا أمتعتنا أرضاً واقتربنا منها بانحناءٍ شديد، قادتنا لهجتها المعروفة سورياً لجردةٍ سريعةٍ ذهنياً على أخطاء الزمن والأقدار، في الإتيانِ بأطيابِ القوم لأرصفة الدول..

شو عمو بدك تشتري؟ خرجتْ من شفاهٍ مشققة، مُرَكّبة على وجهٍ مهجور البراءة، يشكلُ امتداداً لما يُعرفُ علمياً بالجسد الآدمي.. أبداً، ذلك لم يكن، كانت زين أشباه طفلة، تدفعُ فاتورة تجرد خلق الله من الإنسانية، وتُرَتّبُ كنزتها البالية لتداريّ العز الذي نشأت عليه في موطنها الأسريّ، ثم تمسحُ بأكمامها ماعلقَ على وجهها الأسمر من تجاعيد صنعها الغبار المتراكم..

كل شيء في المشهد كان كارثياً، مصائبياً من النوع الذي تهترئ أمامه النفوس، وتذوبُ قهراً.. فشلنا في اختبار الصبر أمام جسدها النحيل، وقد هبط الصقيع يُجَرِّدها مما بقي لديها من الدفئ والسكينة، فتابَعَتْ قصتها، بأنها هربت مع والدتها أثناء القصف، تاركين خلفهم رسالةً لوالدها المفقود إذا عاد، على أنهم نزحوا إلى تركيا دون دميتها الصغيرة التي اشتراها لها..

داعبَتْ النسماتُ الجليدية شعرها الأشعث، غير آبهة لمفردات الوطنية والتحرر وحقوق الإنسان، وماذا ستفعلُ بهم بعدما خسرتهم حين لزومهم، وربحتْ منا صفقة الشراء، ثم ركضتْ فرحةً تجاه مجموعةِ أطفالٍ آخرين، كلهم من سوريا، يبيعوننا الزقوم النيئ على طرقاتِ المدن، بغلافٍ زاهٍ اسمه المحارم، التي ستلزمُ بعدَ دقائق من الآن..

ما أقسى أن تشاهدَ إنساناً، أيُّ إنسانٍ، يحاولُ النهوضَ على قدميهِ بشيءٍ من الكرامة، فتُرَكّعهُ الظروف بصلافتها وجلافتها.. خسر أحدنا رهانهُ على التّحمل والتماسك في نهاية المطاف، فانفجرَ باكياً، حملَ أمتعتهُ ومضى.. لن يسامحَ التاريخُ بشار الأسد، لو نامَ بينَ هؤلاء، جائعٌ واحد.